القائمة الرئيسية

الصفحات

الصيرفة الاسلامية في الجزائر نحو إقلاع اقتصادي وفق أسس شرعية


تعجل الأزمات الاقتصادية بظهور الأفكار والحلول المقترحة التي يكون بعضها جديدا خلاقا وبعضها الآخر قديم لم يستفد منه من قبل، وحال الاقتصاد الجزائري جعلت صناع القرار يفكرون في دخول عالم الصيرفة الاسلامية بشقها المصرفي والمالي في محالة لتقديم حل لما نعيشه من تبعات تراجع عائدات المحروقات، ورغم أن الصيرفة الاسلامية تعود إلى العهد الأول للإسلام، فكان بن العباس يأخذ الفضة بمكة ويكتب بها للكوفة في العراق، وهكذا كان حال عبد الله بن الزبير فكان يكتب بذهب الذي يأخذه في مكة لمصعب بن الزبير في العراق وكان ذلك كضمان للتجار وأطلق على هذه المعاملة بـ" السُفتَجَة" أو كما تسمى اليوم "الحوالة". شاع إستخدام الصكوك"الشيكات" في البصرة خاصة في فترة 1010م/ 400 هـ ،و أصبح لها شكل خاص ونوع مميز من الأختام حتى صار وجود المصرفي من الضروريات بسوق البصرة، وظهرت فكرة المصرف الإسلامي لأول مرة كمشروع بقرى باكستان النائية، لكنها لم توفق وتعرف الإنطلاقة الحقيقية لهذا النوع من المصارف في مدينة- ميت غمر- التابعة لمحافظة الدهقلية بجمهورية مصر و ذلك سنة 1963.

نادى العديد من الاقتصاديين بأخذ هذا التوجه الذي يعتمد على معاملات أساسها موافق للشريعة الاسلامية التي يدين بها الجزائريون منذ مدة طويلة، خاصة بعد أزمة الرهن العقاري التي عصفت بالعالم في 2008 حيث تأكد الجميع نجاعت المعاملات الاسلامية في تحدي الأزمات، إلا أن صناع القرار في الجزائر لم يتجاوبوا مع هذه الأفكار رغم تخلف جهازنا المصرفي وعدم قدرتنا على إنشاء بورصة للقيم المنقولة في الجزائر إلا إسما.

إن الجزائريين اليوم يخفون خارج الدائرة البنكية ما يفوق 50 مليار دولار، والسبب عدم ثقتهم في الجهاز المصرفي من جهة وكذلك عدم توافق مبدأ الفائدة الذي يعمل به هذا الجهاز مع المبادئ الدينية للشعب الجزائري الذي يعتبر في أغلبه محافظا، وقد تأكد الأمر مرارا وتكرارا، مؤكدين أنهم على يقين أن الله أحل البيع وحرم الربا ولا شيء سيجعلهم يغيرون هذه القناعة إلا منظومة مصرفية تتوافق ومبادئهم.

إن النظام 20- 02 الصادر عن بنك الجزائر الذي جاء في الجريدة الرسمية رقم 16 لسنة 2020 يعتبر نوعا من الفتح المالي على الجزائريين والجزائريات، خاصة أن النظام جاء ليسمي المعاملات الاسلامية بإسمها بعيدا عن المهاترات اللغوية التي استعملت في النظام 18-02 والذي لم يرى نور لا هو ولا آلياته، ولكن مع توفر الإرادة السياسية في الجزائر الجديدة ها نحن اليوم نقف أمام فرصة تاريخية من أجل تحريك الاقتصاد الجزائري، ولا يمكن أن يخفى على العارف بقطاع الصيرفة الاسلامية دور الهيئة الشرعية في منح الثقة والعمق لهذا النظام.

إن مسارعة المجلس الاسلامي الأعلى لتنصيب إنشاء الهيئة الوطنية الشرعية للإفتاء في الصناعة الإسلامية، دليل على حرص هذه المؤسسة الرائدة في الجزائر على المسارعة في الخير والمبادرة إلى تفعيل النظام 20-02، هذه الهيئة التي ترى أن إطلاق نظام الصيرفة الاسلامية في الجزائر والهادف إلى التقليل من الاكتناز المالي مع الاستجابة لرغبة الجزائريين للتعامل وفق أحكام الشريعة الاسلامية، خاصة والشباب الجزائري يعاني من غياب مصادر التمويل المتوافقة مع عقيدته، بالاضافة لمحاولة استقطاب ودمج السوق السوداء في السوق الرسمية من خاصة أن الصيرفة الاسلامية قادرة على تحسين صورة المصارف لدى العامة الذي يعتبرون التعامل معها نوع من الحرب مع الله ورسوله.

إن دور الهيئة الوطنية الشرعية للإفتاء في الصناعة الإسلامية سيكون محوري ورئيسي في مصادقة بنك الجزائري على ملفات البنوك العمومية أو الخاصة التي ترغب لدخول السوق الجزائرية في مجال الصيرفة الاسلامية، ولعل دورها الأبرز سيكون من خلال العمل على المصادقة على ما يمكن أن يتطور مستقبلا من معاملات مالية إسلامية أخرى والتي تندرج ضمن ما يعرف بالهندسة المالية الاسلامية خاصة أن النظام 20-02 حدد منتجات الصيرفة الاسلامية في 08 أصناف رغم أن المجال يمكن أن يفتح إلى منتجات كثيرة ومتعددة بعضها معروف على غرار المزاراعة والبعض الآخر يمكن الاجتهاد فيه وفق ما تقتضيه الظروف والأحوال، وهو ما يجعلنا نطالب من بنك الجزائر بأن يتم منح الهيئة الوطنية الشرعية للإفتاء في الصناعة الإسلامية من خلال التنظيم أو في قانونها الداخلي صلاحية اقتراح أو الموافقة على منتجات جديدة غير تلك المدرجة في النظام، وهو ما سيفتح الباب على مصرعيه أمام الجميع من اجل الاندماج في هذا المسعى خاصة في مجال سوق رأس المال، التأمينات الاسلامية والتكافل.

إن الجزائر اليوم تمر بمرحلة تاريخية وفي ظل ظروف اقتصادية حرجة لم يسبق للعالم المرور بها، وهو ما يجعلنا نقول أن الوقت حان من أجل تضافر الجهود للنهوض بالاقتصاد الوطني خارج المحروقات، وهو ما يجعلنا ننادي بتغييرات أعمق تمس قانون النقد والقرض الذي يحتاج إلى رؤية جديدة تتوافق ومتطلبات المرحلة الجديدة، ولعل النظام 20-03 الخاص بضمان ودائع المصرفية والذي قضى بإنشاء شركة مساهمة لتسييرها دليل على حسن النية الموجود لدى القائمين على النظام النقدي في الجزائر وهو ما يجعلنا نتفاءل بعلاقة خاصة بين بنك الجزائر والشبابيك الاسلامية مستقبلا كأداة من أجل تسويق حقيقي لعمليات تتوافق بشكل كامل والشريعة الاسلامية الحنيفة.
هل اعجبك الموضوع :
الجزائر برس، وسيلة إعلامية لنقل أخر الأحداث في الجزائر لحظة بلحظة بمصداقية وأمانة.

تعليقات